جوار بوابة الشعر

vid diktens port omslag

الشعر في السويد
 
قراءة الحياة بوعي المخيلة
 
==================
 
عيسى حسن الياسري
 
مونتريال – كندا
 
( أتمنى أن أكون بين تلك..
 
الظلال الذابلة
 
قبل أن ينضج الحصاد
 
وتبهت باقات السنابل ........... )
 
" الشاعر جاكوب فريسي "
 
* * *
 
قليلة هي النماذج الشعرية التي وصلتنا مترجمة عن الشعر السويدي ,ولم تكن كافية للحد الذي نستطيع أن نكّون رؤية واضحة عن هذا المنجز الابداعي الذي ولد على أرض تنقسم سنتها الى عتمة قمة السماء ولألأة بياض ثلج الارض الداكن , وسطوع شمس لاتدير ظهرها عن البيوت والاشجار والاحلام المختبئة تحت أهداب البحر ,وشعر صبية تلهو به رياح " مايو " وهي تعبر أكثر من تلة متعجلة للقاء من تحب .
 
طبيعة كهذي لابد وأن تنسج مكونها الفني والابداعي بطرائق ذاتية تحمل
 
خصائصها المتفردة والمبهرة .
 
لقد أتاح لنا المترجم فرصة أن نلتقي بأبداع بكر لم تمتد له يد الترجمة المبدعة بكشوفاتها التي تضيئ هذه الغابة الخلاّبة من الأبداع الأنساني الذي يتخذ له مناطق لايمكن لأي إبداع آخر أن يقترب منها .ولم تستطع موجات الحداثة الغربية التي يقع هذا الأبداع عند تخومها أن تترك بصماتها العقلانية الجامدة على مجاورة هذا الشعر لأكثر مقترباته التصاقا بهموم الانسان ,والتوق الى خلق مجرات أحلامه الذاتية التي تتخذ من أحلام الانسان وتوقه الى مملكة النور والدهشة جهة خاصة بها ,وإذا لم يكن بمقدور الشاعر أن يخلق بقاعه التي يحب أن يعانقها على أرض الواقع فأنه يلجأ الى ضربات ريشة مخيلته والوانها وتشكلاتها البديلة عن طبيعة تتصف بالقسوة في الكثير من فصولها حيث ينسج معادلها المغاير داخل مملكة الشعر .هذا الشعر الذي يحّول ضجر الانسان من وقوعه تحت وطأة ليل طويل تحتاج زحزحته بعيدا الى مجرة من القناديل ,ونهار لايقل طولا ,وتسطع فيه شمس يحاول المرء أن يضع أكثر من ستارة على نوافذ بيته ليخلق له شيئا شبيها بالليل ينعم فيه بأغفاءة هادئة لاتقلقها دغدغة خيوط شمس النهار الطويل الذي يبدو كما لو كان أبديا ودائم الأقامة .
 
لقد وضع المترجم أمامنا باقة من أزهار نادرة ,احلام تلوي عنق آلام وعذابات الكائن الانساني عبر رحلته في تخوم الزمن الذي ترشح من أكمام قمصانه أكثر الجراح وجعا .أغنيات حب تذكرنا بقصائد شعرائنا العذريين حيث ترتفع قصائد الحب في الشعر السويدي الى أكثر القمم نصاعة ووجدا صوفيا وهذا واحد من أهم جوانبه مغايرة للمكون الحسي الذي يتكئ عليه أغلب الشعر الغربي المعاصر.
 
وفي معالجتها لموضوعة الحب تقدم الشاعرة " آنا غريتا وايد " كشفا روحيا يؤنسن هذه العلاقة ,ويجعل منها فعلا إستثنائيا عندما تفتقده الحياة لايبقى هناك من مبرر للجلوس تحت ظلها البارد ,ويكون الانفصال عنها ضرورة حتمية :
 
" أنت بحاجة الى الحب
 
لابد أن تحصل على الحب بأي ثمن
 
ستموت إن لم تفعل .............. "
 
والموت عند الشاعرة هو موت وجودي فحين يفقد الانسان نعمة الحب يتهدد الخراب جمال هذا العالم وسلامه .
 
وفي لجوئه الى دفء الطبيعة والانسلاخ عن ضجيج الاخرين يدفع الشاعر " نيلز فرلين " جدران البيت ليجعله بسعة العالم لكن ورغم هذا الاتساع فأن " المستأجر " الذي يوقّع الشاعر قصيدته باسمه يعلن احتجاجه على صخب سكان" البيت—العالم ",ويعزل نفسه في ركن قصي حيث يتعرض الى تهمة اصابته بالعمى وبالصمم:
 
" يتحدثون عني في البيت
 
يقولون بأنني لاأسمع ولا أرى
 
ولكنني أسمع الريح
 
وأسمع حفيف أشجار الصنوبر في الخارج ......." .
 
إننا نجد أن معظم الشعراء الذين قدمهم المترجم يتجهون بقصائدهم نحو الطبيعة وكأنهم يستميلونها ,ويجعلون ترويضها ممكنا وهذا يذكرنا برسوم إنسان الكهوف في فجر عذرية الزمن الذي كان يرسم صور الحيوانات التي يريد اصطيادها على جدران كهفه حتى يروضها بطريقة سحرية ,ليسهل عليه صيدها , وفي كثير من المواقع تذكرنا هذه القصائد بتجاورها مع قصيدة " الهايكو " اليابانية التي تتسم باهتمامها بالامساك بالموسم .ولكن الذي يميز قصيدة الشاعر السويدي عن قصيدة نظيره الياباني هو التوظيف الشمولي للطبيعة الذي يغادر شرطه الذاتي ويتجه نحو العام ,في حين ينحصر اهتمام شاعر الطبيعة في قصيدة "الهايكو " اليابانية على مايتركه الموسم من تأثير نفسي على الذات الفرد .
 
هذا الانعكاس الذي يحدثه الموسم والذي يتخطى ذات الشاعر الى دائرته الوجودية الأكثر اتساعا يؤكده الشاعر " جاكوب فريسي " في مقطع قصيدته الذي اشرنا اليه في بداية هذه القراءة للقصائد المترجمة حيث يغادر الشاعر منطقة الوقوف تحت سحر الموسم في المقطع اعلاه ليتحدث عن هموم تشوش وجوده في مقطع مغاير في نفس القصيدة وهي هموم يقف سحر الموسم عاجزا عن ترويضها :
 
" ها أنا مازلت بجوار سدة – بيتيسدا-
 
الهي .. لم لاتفكر بما هو في صالحي
 
أنني شخص سيء
 
يقيدني ريش سريري ........... "
 
وتذهب الشاعرة " هيدفيك تشارلوتا " في التعبير عن حزنها الى أبعد من ذلك حيث تتوسل رصاصة الرحمة أن تسكت الم القلب ,انها تجعلنا نعتقد أنها مقيمة في إحدى ردهات جحيمنا الشرقي :
 
" أيها القلب الحنون المسكين
 
ألا يمكن لهذا الألم المر ..
 
أن يطلق عليك رصاصة الرحمة
 
لتنقطع جديلة الحياة
 
وتغادر الروح النبيلة سجنها ................... ؟
 
ولايخلو هذا الشعر من روح السخرية والفكاهة السوداء التي تزيح الستار بعيدا عن حياة شريحة مترفة ومتخمة حدّ أن تنفجر من كثرة ما تلتهمه من الطعام ,وترف البطالة ,حيث ترسم الشاعرة " آن ماريا لينغرين " صورة كاركتورية لكبير " الكهنة " ذلك الرجل " الروحاني " المتورد الجسد من الترف ,والذي يشبه بطنه جبلا صغيرا يلتصق به فكه المترهل كلما تنفس ,هذا الرجل "الروحاني " وبعد أن يتناول إفطاره وهو "
 
" فطور من الزبدة والدجاج
 
فطور رائع ولذيذ جدا "
 
بعد أن يتناول إفطارا كهذا يعود ثانية للأستلقاء على وسادته ويخاطب الرب "
 
" يا الهي العظيم
 
ما معنى حياتنا البائسة هذه
 
إنها صراع دائم ضدّ الخطيئة والبذخ
 
آه ياسيدي إعطني قوّتك
 
وأعني لأتحمل هذا العالم المتعب .......... "
 
إستطاع المترجم أن يقدم لنا لوحة استثنائية من خلال ترجمته وعن اللغة السويدية لأكثر من ثلاثين شاعرا سويديا ومن اجيال متفاوته تبدأ من القرن السابع عشر وصولا الى الشعراء المعاصرين ,وهذا مايعطي كشفا مهما لتطور هذا الشعر ,وتياراته الفنية ذات البنى المرتكزة على موروثه الابداعي فنا ومعالجاته الذاتية موضوعا .
Alyasiri bokförlag Hasan Al-Yasiri Fiskja 120, 872 92 Kramfors
mobil 0768380682 e-post Den här e-postadressen skyddas mot spambots. Du måste tillåta JavaScript för att se den.

Copyright © 2013 Alyasiri